ساسي سالم الحاج
216
نقد الخطاب الاستشراقي
على هجرته إلى المدينة ، وتميّزت الآيات التشريعية باعتبارها نابعة من مقتضيات الظروف الخاصة كقاعدة تحريم التبنّي ، وتحديد عقوبة القذف بثمانين جلدة ، فالأولى لإنهاء الجدل حول زواجه بزينب زوجة ابنه بالتبني ، والثانية خاصة بحديث الإفك « 1 » . ولم ينكر « كولسون » معالجة القرآن للعديد من الموضوعات التشريعية بكثير من التفصيل والبسط ، ولكنه يعود إلى القول : إن هذه - الآيات المحتوية على القواعد القانونية - لم تعمد إلى تناول الجزئيات المختلفة للقضايا التي شرّعت لها على نحو كلّي مستوعب . ويضرب مثلا بالآيات التشريعية التي تناولت موضوعات معيّنة بالتشريع ، ولكن يجب جمعها من العديد من المواطن حتى تظهر بمظهر المعالجة المفصّلة عند جمعها من مواضيعها المتباعدة في القرآن . وأكبر مثل على ذلك مكانة المرأة بصفة عامة والمتزوجة بصفة خاصة ، فهو يراها من الموضوعات التي اهتمّ بها التشريع القرآني ، ولكن أحكامها جاءت متناثرة ومتنوعة في العديد من السور والآيات . ويضرب مثالين للأهداف التشريعية التي نزل بها القرآن لتحسين أوضاع المرأة من حيث المهر الممنوح للزوجة مقابل تمتع الزوج بها ، ومن حيث الطلاق الذي أورد فيه فكرة العدّة ، ويرى في هذين المثالين المهر عند الزواج ، والعدّة عند الطلاق : تمتّع المرأة بمراكز قانونية لم تكن لها من قبل « 2 » . ويضرب « كولسون » مثلا آخر أكثر وضوحا ليبرهن به على تنوّع أوجه التشريع القرآني ألا وهو « الإرث » فهو يرى أن الهدف من قواعد الإرث قبل الإسلام كان الغرض منه دعم القوة العسكرية للقبيلة . وبما أن القبيلة مؤلفة من أولئك الذين ينحدر نسبهم من أصل أبوي مشترك فقد انحصر هذا الإرث في « الصبية » حتى تتمكن القبيلة من الاحتفاظ بأموالها . وكان المطبق في ذلك العصر أن يأخذ الإرث من العصبة أقربهم إلى المتوفى ، بحيث تكون الأولوية للفروع ، ثم الأب ، ثم الإخوة وأولادهم ، ثم الجد وأخيرا الأعمام وأولادهم ، مع اتباع نظام الوصية لذوي القرابة من ناحية النساء مثل الأمهات والبنات ، ومع ذلك فإن القاعدة العامة حرمان الإناث والصغار من الميراث لأنهم لا يساهمون عادة في الجهود الحربية للقبيلة « 3 » .
--> ( 1 ) Ibid , op . cit , p . 13 . ( 2 ) Ibid , op . cit , pp . 14 - 15 . ( 3 ) Ibid , op . cit , p . 15 - 16 .